استفاقت الأسواق العالمية اليوم الإثنين 2 مارس 2026 على وقع صدمة اقتصادية عنيفة، حيث تراجعت عملات وأسهم الأسواق الناشئة بشكل حاد نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية مع إيران. ومع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وتوقف حركة الملاحة فيه، تلاشت شهية المخاطرة لدى المستثمرين، مما أدى إلى هروب جماعي نحو الملاذات الآمنة، وهو ما وضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات التضخم والركود من جديد. في هذا التقرير عبر 'صحيفة الاقتصاد السعودي'، نفصل أثر هذه الأزمة على الخارطة المالية العالمية.
أولاً: لغة الأرقام.. خسائر حادة في العملات والأسهم
شهدت التعاملات الآسيوية اليوم موجة بيع واسعة النطاق، عكستها الأرقام التالية:
مؤشر العملات النامية: سجل انخفاضاً بنسبة 0.7%، متراجعاً للجلسة الثانية على التوالي تحت ضغط قوة الدولار الأمريكي.
أسهم الأسواق الناشئة: هوت بنسبة 1.5%، وهو أكبر انخفاض يومي يتم تسجيله منذ أكثر من ثلاثة أسابيع.
العملات الأكثر تضرراً: تصدر البيزو الفلبيني، الراند الجنوب أفريقي، والبان التايلاندي قائمة العملات الأكثر هبوطاً مقابل الدولار.
ثانياً: شلل الملاحة في هرمز وقفزة النفط إلى 108 دولارات
أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى اضطراب هائل في قطاعات النفط والشحن والطيران.
أسعار النفط: قفز خام 'برنت' القياسي إلى أعلى مستوياته في أكثر من عام، وسط توقعات من 'بلومبرغ إيكونوميكس' بأن تصل الأسعار إلى 108 دولارات للبرميل في حال استمرار الإغلاق.
الملاذات الآمنة: ارتفع الذهب والدولار الأمريكي بشكل صاروخي مع توجه المستثمرين لتأمين رؤوس أموالهم، مما أجج المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة.
ثالثاً: تدخلات البنوك المركزية وأزمة الأسهم الباكستانية
لم تقف المؤسسات المالية مكتوفة الأيدي أمام هذا الانهيار:
باكستان: شهدت الأسهم الباكستانية أكبر وتيرة هبوط في تاريخها، مما دفع إدارة البورصة إلى تعليق التداول لمدة ساعة كاملة لمحاولة كبح جماح الهلع.
إندونيسيا والهند: تدخلت البنوك المركزية في البلدين بشكل مباشر في أسواق الصرف الأجنبي لدعم استقرار عملتيهما (الروبية الإندونيسية والروبية الهندية) اللتين تعرضتا لضغوط بيع هائلة.
إسرائيل: ظل 'الشيكل' الإسرائيلي دون تغير يذكر في التعاملات المبكرة، حيث يعكف المتداولون على تقييم التداعيات العسكرية والسياسية للحرب.
رابعاً: رؤية الخبراء.. صدمة الرد الإيراني العدواني
يرى بريندان ماكينا، استراتيجي الأسواق الناشئة لدى 'ويلز فارغو'، أن هذه الصدمة تدفع الأسواق الناشئة إلى مزيد من الضعف، مشيراً إلى أن الرد الإيراني كان 'أكثر عدائية من السابق'.
تحذير من موجة بيع: أضاف ماكينا أن فكرة 'تقييم أصول الأسواق الناشئة بأعلى من قيمتها الحقيقية' ستقود لموجة بيع واسعة في الأيام الأولى للصراع، خاصة مع تزايد التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
خامساً: الدول المستوردة للنفط.. الخاسر الأكبر
أشار المحللون في 'أوفرسي-تشاينيز بانكينغ كورب' (OCBC) إلى أن الدول التي تعتمد بكثافة على واردات الطاقة ستكون الأكثر تأثراً، ومنها:
كوريا الجنوبية وتايوان.
الهند والفلبين وتايلاند.
هذه الدول ستواجه عجزاً في الموازين التجارية وضغوطاً على العملة المحلية نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة.
سادساً: التباين في قطاعات الأسهم (الرابحون والخاسرون)
أدى تصعيد الصراع إلى إعادة رسم خارطة الأسهم في آسيا:
القطاعات الصاعدة: ارتفعت أسهم شركات الطاقة، الشحن، الدفاع، والذهب. وفي تايوان، قفزت أسهم شركات الشحن العملاقة مثل 'وان هاي لاينز' و**'إيفرغرين مارين'**.
القطاعات المتضررة: تعرضت شركات الطيران والسفر لضربة قوية، حيث هبطت أسهم الخطوط الجوية السنغافورية واليابانية وشركة 'إيفا إيروايز' نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود واضطراب المسارات الجوية.
سابعاً: توقعات بلومبرغ.. مواجهة أطول وأشد حدة
وفقاً لمحللي 'بلومبرغ إيكونوميكس' بقيادة دينا إسفندياري، فإن مقتل المرشد الأعلى الإيراني (كما ورد في التقارير) يزيد من جسامة المخاطر. ويرى المحللون أن هذه المواجهة قد تكون 'أطول وأشد حدة' من الحروب التاريخية السابقة (مثل حرب الـ 12 يوماً في يونيو)، مما يعني أن الاقتصاد العالمي قد يدخل في فترة طويلة من عدم اليقين.
خاتمة التقرير: الاقتصاد العربي في عين العاصفة
بينما تراقب الأسواق العالمية شاشات التداول باللون الأحمر، يظل السؤال قائماً حول قدرة الاقتصادات العربية على امتصاص هذه الصدمة. إن ارتفاع أسعار النفط قد يفيد الميزانيات في المدى القصير، لكن اضطراب الشحن عبر هرمز يهدد سلاسل الإمداد ويرفع تكاليف السلع الأساسية، مما يتطلب استراتيجيات تحوط عاجلة.