الذهب يتألق وسط تقلبات الأسواق العالمية وتأثيرات التوترات الجيوسياسية على أسعار المعادن


الاربعاء 11 مارس 2026 | 12:58 صباحاً
الذهب يتألق وسط تقلبات الأسواق العالمية وتأثيرات التوترات الجيوسياسية على أسعار المعادن
الذهب يتألق وسط تقلبات الأسواق العالمية وتأثيرات التوترات الجيوسياسية على أسعار المعادن
ليلي العنزي

ارتفعت أسعار الذهب بشكل ملحوظ خلال تعاملات الثلاثاء، في جلسة أسواق المال العالمية التي تزامنت مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول احتمالية انتهاء الحرب في الشرق الأوسط، وهي تصريحات أثارت موجة من التفاؤل بين المستثمرين وأسواق المعادن النفيسة، وأدت إلى انخفاض حاد في أسعار النفط، ما أعاد توازن المخاطر في الأسواق المالية العالمية. وقد انعكست هذه التحركات على أسواق الائتمان في آسيا، حيث انخفضت تكلفة التحوط ضد المخاطر المالية، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة بين الأحداث الجيوسياسية العالمية وأسعار الذهب والسلع الأساسية.

الذهب يتجاوز 5180 دولاراً للأونصة ويعكس شهية المخاطرة العالمية

شهد الذهب ارتفاعًا يصل إلى نحو 0.9%، متجاوزًا مستوى 5180 دولارًا للأونصة، وهو ما ساعد على تعويض جزء كبير من الخسائر التي تكبدها المعدن النفيس في الجلسة السابقة. ويأتي هذا الصعود متزامنًا مع تراجع مؤشر الدولار الأمريكي بنحو 0.1%، بعد استمرار انخفاضه يوم الاثنين. بينما انهار النفط بأكثر من 10% في سوق شديدة التذبذب، وهو ما جعل المستثمرين يعيدون توجيه رؤوس الأموال نحو المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة، بوصفها ملاذًا آمنًا في أوقات عدم الاستقرار.

تصريحات ترامب وتأثيرها على الذهب وأسواق النفط

تأتي تصريحات الرئيس الأميركي في وقت حرج بالنسبة للأسواق العالمية، إذ إن أي مؤشرات على استعداد البيت الأبيض لإنهاء الحرب، التي دخلت أسبوعها الثاني مع إيران، تعمل على تخفيف الضغوط التي كانت قد كبحت أسعار الذهب مؤخرًا. فقد أثرت الضغوط العسكرية على مضيق هرمز، بالإضافة إلى الضربات الصاروخية الإيرانية على منشآت الطاقة، بشكل مباشر على أسعار النفط وأسواق السلع، ما جعل الذهب يواجه نوعًا من التحدي بين كونه ملاذًا آمنًا وبين الحاجة إلى السيولة في الأسواق.

الذهب كأصل ملاذي واستراتيجي في الأحداث عالية المخاطر

أكدت سوكي كوبر، رئيسة أبحاث السلع في 'ستاندرد تشارترد'، أن الذهب يظل الأصل الاستراتيجي الذي يلعب دورًا محوريًا في الفترات عالية المخاطر. وقالت: 'في البداية، تعزز الأحداث الجيوسياسية أسعار الذهب بفعل علاوة المخاطر، لكن حين تشتد الحاجة للسيولة، يصبح الذهب من الأصول التي يجري التخارج منها سريعًا، خصوصًا إذا كان الأداء قويًا'.

ويُظهر هذا الدور للذهب أهميته الكبيرة في المحافظ الاستثمارية، حيث يعمل على حماية قيمة رأس المال مقابل التغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية، كما يوفر وسيلة للمدخرين والمستثمرين للتحوط ضد التضخم وتقلبات العملات.

عام قوي للذهب رغم تقلبات الأسواق

على الرغم من التقلبات التي شهدتها الأسواق العالمية في الأيام الأخيرة، يبقى الذهب مرتفعًا بنسبة تقارب 20% منذ بداية العام، مدعومًا بالاضطرابات الجيوسياسية، تقلبات التجارة العالمية، والتهديدات التي طالت استقلالية البنك الفيدرالي الأميركي.

إلا أن الحيازات في صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب تراجعت بنحو 30 طنًا الأسبوع الماضي، في أكبر موجة تخارج أسبوعية منذ أكثر من عامين، وفق بيانات مجمعة من 'بلومبرغ'. وأوضح كبير استراتيجيي السلع في 'TD Securities'، دانيال غالي، أن هذه الحيازات واجهت ضغوطًا مع تسعير الأسواق لتراجع احتمالات خفض الفائدة، فيما بقيت عمليات الشراء عند الانخفاض محدودة وبضمن نطاقها المعتاد.

تدخل البيت الأبيض وتأثيره على أسواق الطاقة

خلال مؤتمر صحافي من منتجعه في دورال، فلوريدا، أوضح ترامب أن البحرية الأميركية ستتولى مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي تمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية والغاز الطبيعي المسال، ولكنه لم يقدم تفاصيل تنفيذية محددة حول آليات المرافقة. ويعكس هذا التحرك الجهود الأميركية لضمان استمرار تدفق النفط العالمي رغم التوترات في منطقة الخليج.

تأثير فوري على الائتمان الآسيوي وأسواق المخاطر

على الجانب الآخر، انعكست تصريحات ترامب على سوق الائتمان في آسيا، حيث انخفضت تكلفة التأمين ضد تعثر الديون (CDS) على الديون الآسيوية ذات الدرجة الاستثمارية بأكبر وتيرة منذ أكثر من ثمانية أشهر، متراجعة بحوالي 4 نقاط أساس، وفقًا لمتعاملين في الأسواق.

وجاء الانخفاض متزامنًا مع موجة صعود في الائتمان الأميركي، ما أعاد الزخم لأسواق الأسهم العالمية وحسن معنويات المخاطرة، حيث كان من المتوقع أن تبقى تقلبات أسعار الفائدة وأسواق الائتمان في حالة ارتفاع حتى زوال التوترات العسكرية واستئناف عبور النفط الطبيعي بحرية.

التحليل الفني للذهب ومستويات الدعم والمقاومة

فنياً، يتوقع المحللون أن الذهب قد يجد دعمًا أوليًا عند مستوى 5000 دولار للأونصة، بينما يشير مستوى 4500 دولار كدعم أقوى وأكثر استقرارًا في حال استمرار الضغوط البيعية. وتؤكد سوكي كوبر أن الذهب يظل من الأصول عالية السيولة التي تؤدي دورًا استراتيجيًا داخل المحافظ الاستثمارية، ويمكن أن يظل تحت الضغط لفترة مؤقتة قبل استعادة قوته الطبيعية.

أداء المعادن النفيسة الأخرى

بحلول الساعة 10:57 صباحًا بتوقيت سنغافورة، ارتفع الذهب الفوري بنسبة 0.6% إلى 5169.93 دولارًا للأونصة، وقفزت الفضة بنسبة 2.4% إلى 89.06 دولار، بينما تراجع البلاتين والبلاديوم بشكل هامشي، وبقي مؤشر بلومبرغ للدولار مستقراً نسبيًا بعد هبوطه 0.2% في الجلسة السابقة، ما يعكس التفاعل المباشر بين أسعار المعادن النفيسة وأداء العملات الرئيسية في الأسواق العالمية.

العوامل المؤثرة على أسعار الذهب العالمية

تشمل العوامل المؤثرة على أسعار الذهب في الفترة الحالية:

التوترات الجيوسياسية: النزاعات العسكرية والتهديدات في منطقة الشرق الأوسط تزيد الطلب على الذهب كملاذ آمن.

أسعار النفط العالمية: ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى ضغوط تضخمية، ما يرفع الطلب على الذهب.

سوق الائتمان وأسواق المال: أي انخفاض في تكلفة التأمين على الديون أو رفع معنويات المخاطرة يعزز أسعار الذهب.

توقعات البنوك المركزية: تقلبات أسعار الفائدة وخطط خفضها أو رفعها تؤثر بشكل مباشر على أسعار المعدن الأصفر.

الدولار الأمريكي: العلاقة العكسية بين الذهب والدولار تبقى مؤثرة، حيث أن انخفاض الدولار يرفع أسعار الذهب والعكس صحيح.

خاتمة

تُعد أسواق الذهب والفضة اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، مع تداخل الأحداث الجيوسياسية، التغيرات الاقتصادية، وتوجهات البنوك المركزية العالمية. ويظل الذهب، رغم كل التحديات، الملاذ الموثوق للمستثمرين في ظل أزمات الأسواق العالمية وتقلباتها. ويجب على المستثمرين متابعة التطورات السياسية والاقتصادية بشكل يومي، إلى جانب التحليل الفني للمعادن النفيسة، لضمان اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة وفعالة.