تخيل لو أن التاريخ توقف عند لحظة يأس واحدة؛ ربما لم تكن المملكة العربية السعودية اليوم هي القوة الاقتصادية العظمى التي نعرفها.
في هذا التقرير الموسع من صحيفة الاقتصاد السعودي ، نسافر عبر الزمن لنحكي قصة 'بئر الخير'، أقدم بئر نفط في السعودية، وكيف تحولت من ثقب في أرض صحراوية قاحلة إلى محرك عالمي يقود اليوم مشاريع مدن المستقبل مثل نيوم.
لغز الصحراء: ما قبل اكتشاف بئر الدمام رقم 7
في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت الجزيرة العربية تعتمد اقتصادياً على تجارة اللؤلؤ والحج، لكن الكساد العالمي ضرب تجارة اللؤلؤ في مقتل. هنا بدأت الرؤية الثاقبة للملك المؤسس عبد العزيز آل سعود -طيب الله ثراه- في البحث عن بديل مستدام.
توقيع الاتفاقية التاريخية (1933)
في مايو 1933، تم توقيع اتفاقية الامتياز للتنقيب عن النفط مع شركة 'ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا' (سوكال)، والتي تحولت لاحقاً إلى شركة 'أرامكو'. لم يكن الطريق مفروشاً بالورود؛ بل كان مليئاً بالشكوك والانتقادات من خبراء دوليين قالوا إن 'رمال العرب لا تخبئ سوى العطش'.
قصة بئر الدمام رقم 7: "بئر الخير" التي لا تنضب
بدأ الحفر في موقع الظهران عام 1935. تم حفر البئر رقم 1، 2، 3، وصولاً إلى رقم 6، وكانت النتائج مخيبة للآمال؛ إما غاز فقط أو كميات ضئيلة من الزيت لا تصلح للتصدير.
لحظة الانفجار الكبير (3 مارس 1938)
بعد وصول الحفر إلى عمق 1441 متراً في طبقة 'عرب'، حدث ما لم يكن في الحسبان. تدفق النفط بمعدل 1585 برميلاً يومياً في البداية، ثم قفز الرقم إلى 3810 براميل. كانت هذه الصرخة الأولى للعملاق الاقتصادي السعودي.
* لماذا سميت بئر الخير؟ لأنها لم تتوقف عن الإنتاج لمدة 44 عاماً متواصلة، حتى تم إغلاقها في عام 1982 لأسباب فنية، بعد أن ضخت للنظام العالمي أكثر من 32 مليون برميل.
الأثر الاقتصادي: كيف غيرت "دمام 7" وجه العالم؟
لم يكن اكتشاف النفط في السعودية مجرد حدث محلي، بل كان إعادة رسم لخارطة الجيوسياسية العالمية.
1. تأسيس شركة أرامكو السعودية
من هذه البئر ولدت 'أرامكو'، التي تعد اليوم أكبر شركة نفط في العالم من حيث القيمة السوقية والإنتاج. تحولت أرامكو من شركة تنقيب إلى عملاق تكنولوجي يقود الابتكار في قطاع الطاقة.
2. بناء البنية التحتية العملاقة
بفضل عوائد النفط الأولى، بدأت المملكة في بناء السكك الحديدية، المطارات، والمدن الصناعية مثل الجبيل وينبع، والتي أصبحت اليوم من أكبر المجمعات البتروكيماوية في العالم.
التحول الرقمي والتقني في استخراج النفط
من عام 1938 إلى 2026، قطع قطاع النفط السعودي شوطاً تقنياً مذهلاً. لم يعد الحفر يعتمد على التخمين، بل على:
* الذكاء الاصطناعي: التنبؤ بمواقع المكامن بدقة 99%.
* التصوير السيزمي ثلاثي الأبعاد: رؤية ما تحت الأرض بوضوح مجهري.
* الحفر الموجه: الوصول إلى مكامن النفط تحت البحار من اليابسة.
من "دمام 7" إلى "نيوم": ثورة الطاقة المتجددة
المفارقة المذهلة هي أن الدولة التي تملك أقدم وأضخم آبار النفط، هي نفسها التي تقود العالم اليوم نحو 'ما بعد النفط'.
نيوم: مدينة المستقبل التي تعمل بالهيدروجين
بينما كانت 'دمام 7' رمزاً للوقود الأحفوري، تمثل نيوم وذا لاين رمزاً للطاقة النظيفة.
* الهيدروجين الأخضر: السعودية تبني في نيوم أكبر مصنع للهيدروجين الأخضر في العالم.
* الطاقة الشمسية والرياح: استغلال شمس الصحراء التي كانت عائقاً أمام المنقبين الأوائل لتصبح هي مصدر الكهرباء الرئيسي.
رؤية 2030 وتكامل الطاقة
المملكة لا تتخلى عن النفط، بل تستخدم عوائده لبناء اقتصاد متنوع. النفط السعودي اليوم (خاصة العربي الخفيف) يعتبر الأقل كثافة كربونية في العالم، مما يجعله الخيار الأفضل بيئياً حتى خلال مرحلة التحول الطاقي.
حقائق مذهلة عن النفط السعودي
1. أكبر حقل في العالم: حقل الغوار، الذي تم اكتشافه بعد بئر الدمام، يمثل معجزة جيولوجية لا تزال تمد العالم بالطاقة.
2. الاحتياطيات: تمتلك المملكة حوالي 17% من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم.
3. الريادة البيئية: المملكة أطلقت مبادرة 'السعودية الخضراء' لزراعة 10 مليارات شجرة، بتمويل ضخم من قطاع الطاقة.
دليل الباحثين عن تاريخ الطاقة
لكل باحث عن أقدم بئر نفط في السعودية، إليكم الإجابات السريعة:
* اسم البئر: بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير).
* تاريخ الاكتشاف: 3 مارس 1938م.
* العمق: 1441 متراً تحت سطح الأرض.
* الموقع: الظهران، المنطقة الشرقية.
* الشركة المكتشفة: كاسوك (أرامكو لاحقاً).
مستقبل النفط في ظل "الاقتصاد الدائري للكربون"
تتبنى السعودية مفهوم 'الاقتصاد الدائري للكربون' (CCE)، وهو نظام يهدف إلى تقليل الانبعاثات، وإعادة استخدام الكربون، وتدويره، أو إزالته تماماً. هذا يعني أن 'رحلة الذهب الأسود' التي بدأت في عام 1938 لن تنتهي، بل ستتحول إلى طاقة نظيفة ومستدامة تخدم البشرية لقرون قادمة.
خاتمة التقرير
إن قصة بئر الدمام رقم 7 هي قصة الإيمان بالفرص المستحيلة. من تلك البئر، انطلقت نهضة شاملة جعلت من المملكة العربية السعودية رقماً صعباً في المعادلة الدولية، واليوم في 2026، تستمر الرحلة من أعماق الأرض في الظهران إلى ناطحات السحاب الصديقة للبيئة في نيوم.