كيف تحمي السعودية إمدادات الطاقة وسط تهديدات إغلاق مضيق هرمز؟


الاثنين 02 مارس 2026 | 04:21 مساءً
بدرية الودعاني

تصاعدت حدة المخاطر الجيوسياسية في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، حيث توقفت حركة ناقلات النفط فعلياً في مضيق هرمز الحيوي قبالة السواحل الإيرانية. 

ورغم غياب أي إعلان رسمي بإغلاق المضيق حتى اللحظة، إلا أن 'التعليق الاختياري' الذي اتخذه ملاك السفن وشركات التأمين العالمية أعاد للأذهان سيناريوهات الأزمات النفطية الكبرى.

 في هذا التقرير الموسع عبر 'صحيفة الاقتصاد السعودي'، نستعرض خارطة القوة البديلة، وكيف تستعد المملكة العربية السعودية ودول المنطقة لتأمين تدفقات الطاقة العالمية وسط هذه الظروف الاستثنائية.

أولاً: مضيق هرمز.. شريان لا يعوض بالأرقام

يمثل مضيق هرمز 'الرئة' التي يتنفس منها اقتصاد العالم، وتكشف بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) عن أرقام مخيفة توضح حجم الكارثة في حال الإغلاق التام:

التدفق اليومي: يعبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات.

الاستهلاك العالمي: يمثل هذا الرقم ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز الطبيعي المسال.

الأهمية اللوجستية: يُصنف المضيق كأهم 'عنق زجاجة' لتجارة الطاقة العالمية، حيث لا توجد ممرات مائية بديلة قادرة على استيعاب هذه الضخامة في الشحن البحري.

ثانياً: سيناريو "جيه بي مورغان".. مهلة الـ 25 يوماً

حذر محللون في مصرف 'جيه بي مورغان تشيس' من تبعات تقنية واقتصادية وخيمة إذا تحول التعطل الحالي إلى إغلاق فعلي ومطول. وبحسب تقريرهم، فإن 'قيود التخزين' ستكون العدو الأول للمنتجين:

السعة التخزينية: تبلغ سعة التخزين البرية المتاحة لدى المنتجين السبعة الكبار في الخليج نحو 343 مليون برميل.

التوقيت الحرج: هذه السعة تكفي لاستيعاب الإنتاج غير القابل للتصدير لمدة 22 يوماً فقط.

التخزين العائم: بوجود نحو 60 ناقلة فارغة في المنطقة، يمكن توفير طاقة تخزين إضافية تقارب 50 مليون برميل، مما يمنح هامش مناورة لـ 3 أو 4 أيام إضافية.

النتيجة: بعد مرور 25 يوماً، سيضطر كبار المنتجين إلى 'خفض الإنتاج قسراً'، وهي عملية معقدة قد تضر بالآبار النفطية فنياً.

ثالثاً: السعودية وخط "شرق-غرب".. صمام الأمان الاستراتيجي

تثبت المملكة العربية السعودية مجدداً أنها تمتلك 'أكبر هامش مناورة' بين دول الخليج كافة عند تعطل الملاحة في هرمز. يبرز هنا خط أنابيب 'شرق-غرب' المعروف عالمياً باسم 'بترولاين' (Petroline):

المسار والهدف: ينقل الخام من المنشآت العملاقة في المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.

الطاقة الاستيعابية: تبلغ السعة الرسمية للخط 5 ملايين برميل يومياً.

المرونة الفنية: تشير إدارة معلومات الطاقة إلى إمكانية رفع هذه الطاقة مؤقتاً عبر تحويل بعض خطوط سوائل الغاز الطبيعي لقبول النفط الخام في حالات الطوارئ القصوى.

نسبة الأمان: هذا الخط قادر على استيعاب نحو ثلاثة أرباع الصادرات السعودية المعتادة (والتي بلغت 7 ملايين برميل في فبراير 2026)، مما يمنح الرياض قدرة هائلة على تحويل شحناتها بعيداً عن منطقة الخطر، رغم أن ذلك لا يعفيها تماماً من التداعيات الاقتصادية للإغلاق المطول.

رابعاً: الإمارات وخط "حبشان-الفجيرة".. الالتفاف نحو عُمان

لجأت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تأمين صادراتها عبر خط 'حبشان–الفجيرة'، الذي يمثل استثماراً استراتيجياً بعيداً عن مضيق هرمز:

المسار: ينقل النفط من الحقول البرية في أبوظبي مباشرة إلى ميناء الفجيرة المطل على بحر عُمان (المحيط الهندي).

الطاقة الاستيعابية: تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً.

القدرة التحويلية: يغطي الخط نحو نصف صادرات الدولة تقريباً (والتي تبلغ 3.5 مليون برميل يومياً)، مما يوفر مخرجاً آمناً لنصف إنتاج أبوظبي في أوقات الأزمات، وإن ظل محدوداً أمام إجمالي الصادرات.

خامساً: مصر وخط "سوميد".. الحلقة اللوجستية المكملة

لا يمثل خط 'سوميد' في مصر بديلاً جغرافياً مباشراً، لكنه 'حلقة وصل' لا غنى عنها في حال توقف الملاحة عبر قناة السويس أو زيادة الضغط على مسارات البحر الأحمر:

المسار: يمتد من العين السخنة (خليج السويس) إلى سيدي كرير (البحر المتوسط).

الطاقة: تقارب 2.5 مليون برميل يومياً.

الملكية العربية المشتركة: يعكس الخط تعاوناً إقليمياً فريداً؛ حيث تمتلك مصر 50%، أرامكو السعودية 15%، الكويت 15%، الإمارات 15%، وقطر للطاقة 5%.

الأهمية في الأزمة: يتيح الخط نقل الخام الذي يصل للبحر الأحمر (عبر خط شرق-غرب السعودي مثلاً) ثم ضخه للمتوسط لإعادة الشحن لأوروبا، مما يجعله أداة 'تمرير' حيوية للإمدادات.

سادساً: قطر والكويت.. الدول الأكثر عرضة للمخاطر

على النقيض من السعودية والإمارات، تبدو قطر والكويت في وضع حرج للغاية نتيجة عدم وجود مسارات 'التفافية':

دولة قطر: تعتمد بشكل شبه كامل على هرمز لتصدير الغاز الطبيعي المسال. لا توجد شبكة أنابيب إقليمية بديلة تستوعب هذه الكميات، مما يهدد أمن الطاقة في آسيا وأوروبا بشكل مباشر وفوري.

دولة الكويت: تصدر نحو مليوني برميل يومياً، وتفتقر تماماً لأي مسار بري بديل، مما يجعل كامل صادراتها رهينة لاستقرار الملاحة في المضيق.

سابعاً: لغة الواقع.. هل تكفي البدائل الـ 9 ملايين؟

عند جمع الطاقات القصوى للخطوط الثلاثة البديلة (السعودية، الإماراتية، المصرية)، نصل إلى قدرة نظرية تقارب 9 ملايين برميل يومياً.

الفجوة الكبيرة: هذا الرقم يبقى أقل بكثير من التدفقات المعتادة (20 مليون برميل)، مما يعني وجود عجز عالمي يتجاوز 11 مليون برميل يومياً.

تحديات التشغيل: تؤكد إدارة معلومات الطاقة أن هذه الخطوط 'لا تعمل عادة بكامل طاقتها'، وأن المتاح الفوري لتجاوز هرمز قد يكون أقل بكثير من السعات الاسمية المعلنة.

خاتمة التقرير: السعودية تقود استراتيجية البقاء

إن الأزمة الحالية في مضيق هرمز لعام 2026 تسلط الضوء على الأهمية الفائقة للبنية التحتية التي استثمرت فيها المملكة العربية السعودية على مدار عقود. فبينما يواجه العالم شبح نقص الإمدادات، تبرز المملكة كلاعب وحيد يمتلك 'مفاتيح البدائل' القادرة على امتصاص الصدمات. ومع ذلك، يظل استقرار مضيق هرمز مصلحة دولية عليا لا يمكن تعويضها بالكامل بالمسارات البرية مهما بلغت كفاءتها.

اقرأ أيضا