مركبات خلايا وقود الهيدروجين تقود مستقبل السيارات النظيفة عالميًا حتى عام 2040


الجمعة 13 مارس 2026 | 02:21 مساءً
شاحنة تعمل بخلايا وقود الهيدروجين
شاحنة تعمل بخلايا وقود الهيدروجين
ليلي العنزي

يشهد قطاع صناعة السيارات العالمي تحولات عميقة مع تزايد الضغوط البيئية وتنامي الالتزامات الدولية بخفض الانبعاثات الكربونية. وبينما تحظى السيارات الكهربائية باهتمام واسع في الوقت الحالي، يبرز نوع آخر من المركبات النظيفة يعتقد العديد من الخبراء أنه قد يلعب دورًا حاسمًا في مستقبل النقل العالمي، وهو مركبات خلايا وقود الهيدروجين.

وتشير تقارير ودراسات حديثة إلى أن سوق هذه المركبات يستعد لتسجيل نمو كبير خلال الأعوام المقبلة، مدفوعًا بالطلب المتزايد من قطاعات النقل الثقيل مثل الشاحنات والحافلات. كما أن التوجهات العالمية نحو تحقيق الحياد الكربوني تدفع الحكومات والشركات الكبرى إلى الاستثمار بكثافة في تقنيات الهيدروجين الأخضر والبنية التحتية المرتبطة به.

ووفق تحليل حديث صادر عن شركة SNE Research الكورية، فإن سوق مركبات خلايا وقود الهيدروجين قد يشهد نموًا سنويًا يقارب 42% خلال السنوات المقبلة، ما قد يؤدي إلى تضاعف المبيعات العالمية عدة مرات قبل منتصف القرن الحالي.

ويأتي هذا النمو في وقت يشهد فيه العالم تحولات استراتيجية في مجال الطاقة والنقل، حيث تسعى الدول الصناعية إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والبحث عن بدائل أكثر استدامة وكفاءة.

ما هي مركبات خلايا وقود الهيدروجين؟

تقنية متقدمة لإنتاج الطاقة النظيفة

تعتمد مركبات خلايا وقود الهيدروجين على تقنية متطورة تقوم بتحويل الطاقة الكيميائية للهيدروجين إلى طاقة كهربائية تستخدم في تشغيل المحرك الكهربائي للمركبة. وتتم هذه العملية داخل جهاز يسمى خلية الوقود، حيث يتفاعل الهيدروجين مع الأكسجين الموجود في الهواء لإنتاج الكهرباء.

الميزة الأهم في هذه العملية أن الناتج الوحيد منها هو بخار الماء، ما يجعل هذه المركبات صديقة للبيئة بشكل كبير مقارنة بالمركبات التقليدية التي تعمل بالبنزين أو الديزل.

وتتكون منظومة خلايا الوقود في السيارات عادة من عدة عناصر رئيسة تشمل خزان الهيدروجين المضغوط، وخلية الوقود، والبطارية المساعدة، إضافة إلى المحرك الكهربائي ونظام إدارة الطاقة.

وعند تشغيل المركبة، يمر الهيدروجين من الخزان إلى خلية الوقود، حيث يتفاعل مع الأكسجين لإنتاج الكهرباء التي تغذي المحرك الكهربائي وتدفع السيارة للحركة.

الفرق بين السيارات الكهربائية وسيارات الهيدروجين

رغم أن السيارات الكهربائية وسيارات الهيدروجين تهدفان إلى تحقيق الهدف نفسه وهو تقليل الانبعاثات الكربونية، فإن طريقة عملهما تختلف بشكل كبير.

السيارات الكهربائية تعتمد على بطاريات ضخمة يتم شحنها بالكهرباء عبر محطات الشحن، بينما تعتمد سيارات الهيدروجين على توليد الكهرباء داخل السيارة نفسها عبر خلايا الوقود.

كما أن عملية التزود بالطاقة في سيارات الهيدروجين أسرع بكثير من عملية شحن البطاريات في السيارات الكهربائية، حيث يمكن ملء خزان الهيدروجين خلال دقائق قليلة فقط.

ومن ناحية أخرى، تتمتع سيارات الهيدروجين بمدى قيادة أطول في بعض الحالات، وهو ما يجعلها خيارًا مناسبًا للنقل الثقيل والرحلات الطويلة.

توقعات نمو مبيعات مركبات الهيدروجين

تشير البيانات الصادرة عن شركة SNE Research إلى أن سوق مركبات خلايا وقود الهيدروجين سيشهد توسعًا كبيرًا خلال السنوات المقبلة.

ففي العام الماضي بلغت المبيعات العالمية نحو ستة عشر ألف مركبة فقط، إلا أن التوقعات تشير إلى ارتفاع كبير في الطلب خلال العقدين المقبلين.

ويتوقع التحليل أن تصل المبيعات إلى نحو مئة وخمسين ألف مركبة بحلول عام 2030، قبل أن ترتفع إلى حوالي سبعمئة وثمانين ألف مركبة بحلول عام 2035.

أما على المدى البعيد، فتشير التوقعات إلى إمكانية تجاوز المبيعات العالمية ثلاثة ملايين مركبة بحلول عام 2040، وهو ما يعكس التحول الكبير المتوقع في صناعة السيارات العالمية.

ويرجع هذا النمو السريع إلى زيادة الاستثمارات في قطاع الهيدروجين، إضافة إلى التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة التي تتيح إنتاج الهيدروجين الأخضر بكميات أكبر.

المركبات التجارية تقود ثورة الهيدروجين

أحد أبرز الاتجاهات التي رصدتها الدراسات الحديثة هو أن النمو في سوق مركبات الهيدروجين لن يقتصر على السيارات الخاصة المملوكة للأفراد، بل سيتركز بشكل أكبر في المركبات التجارية.

وتشمل هذه المركبات الشاحنات الثقيلة والحافلات ومركبات النقل اللوجستي، وهي قطاعات تحتاج إلى حلول طاقة ذات مدى طويل وقدرة عالية على التحمل.

وقد شكلت المركبات التجارية أكثر من نصف مبيعات مركبات خلايا الوقود خلال العام الماضي، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة بشكل كبير خلال السنوات المقبلة.

ويرى الخبراء أن السبب الرئيس وراء ذلك يعود إلى أن تقنيات الهيدروجين توفر ميزات تنافسية قوية في قطاع النقل الثقيل، مثل القدرة على قطع مسافات طويلة دون الحاجة إلى التوقف المتكرر لإعادة الشحن.

كما أن زمن التزود بالوقود في سيارات الهيدروجين قصير جدًا مقارنة بالسيارات الكهربائية، وهو عامل مهم بالنسبة للشركات التي تعتمد على تشغيل أساطيل النقل بشكل مستمر.

مزايا سيارات الهيدروجين في قطاع النقل الثقيل

تتمتع مركبات خلايا وقود الهيدروجين بعدد من المزايا التي تجعلها خيارًا مناسبًا لقطاع النقل الثقيل.

أول هذه المزايا هو المدى الطويل للقيادة، حيث يمكن لبعض الشاحنات التي تعمل بالهيدروجين قطع مسافات تتجاوز ثمانمئة كيلومتر دون الحاجة إلى إعادة التزود بالوقود.

الميزة الثانية تتمثل في سرعة إعادة التزود بالهيدروجين، إذ تستغرق هذه العملية عادة بضع دقائق فقط، وهو ما يجعلها مشابهة لعملية تعبئة الوقود التقليدي.

كما أن هذه المركبات لا تحتاج إلى بطاريات ضخمة مثل السيارات الكهربائية، ما يسمح بزيادة الحمولة وتقليل الوزن الإجمالي للمركبة.

إضافة إلى ذلك، فإن استخدام الهيدروجين كوقود يساهم في تقليل الانبعاثات الكربونية بشكل كبير، وهو ما يساعد الحكومات على تحقيق أهدافها البيئية.

تغير خريطة سوق سيارات الهيدروجين عالميًا

شهدت سوق مركبات خلايا وقود الهيدروجين خلال السنوات الأخيرة هيمنة واضحة من الدول الآسيوية، خاصة الصين وكوريا الجنوبية.

فقد استحوذت الصين وحدها على ما يقارب نصف المبيعات العالمية خلال العام الماضي، بينما جاءت كوريا الجنوبية في المرتبة الثانية بحصة كبيرة من السوق.

لكن التوقعات تشير إلى أن هذه الهيمنة قد تتراجع تدريجيًا خلال السنوات المقبلة مع دخول أسواق جديدة بقوة إلى هذا القطاع.

ومن المتوقع أن تنخفض الحصة السوقية للصين وكوريا الجنوبية مع توسع الإنتاج والاستثمارات في مناطق أخرى من العالم.

صعود أميركا وأوروبا في سوق الهيدروجين

مع تزايد الاهتمام العالمي بالهيدروجين الأخضر، بدأت الولايات المتحدة و**الاتحاد الأوروبي** في ضخ استثمارات ضخمة في هذا القطاع.

وتعمل الحكومات في هذه الدول على تطوير بنية تحتية متكاملة لمحطات تزويد الهيدروجين، إضافة إلى دعم الأبحاث والتطوير في مجال خلايا الوقود.

ومن المتوقع أن تصبح أميركا الشمالية وأوروبا من أكبر مراكز النمو في سوق مركبات الهيدروجين خلال العقد المقبل.

ويأتي ذلك في إطار الاستراتيجيات الوطنية لتحقيق الحياد الكربوني وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

اليابان.. رائدة تكنولوجيا سيارات الهيدروجين

تُعد اليابان واحدة من الدول الرائدة عالميًا في تطوير تقنيات الهيدروجين.

وقد استثمرت الشركات اليابانية بكثافة في هذا المجال منذ سنوات طويلة، ومن أبرز هذه الشركات تويوتا وهوندا.

ومن أشهر السيارات التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين سيارة Toyota Mirai التي تعد من أوائل السيارات التجارية التي تعمل بهذه التقنية.

وقد ساهمت هذه المركبة في تعزيز الوعي العالمي بإمكانات الهيدروجين كمصدر طاقة مستقبلي لقطاع النقل.

التحديات التي تواجه انتشار سيارات الهيدروجين

رغم الإمكانات الكبيرة لمركبات خلايا وقود الهيدروجين، فإن انتشارها على نطاق واسع لا يزال يواجه عددًا من التحديات.

أبرز هذه التحديات يتمثل في نقص البنية التحتية لمحطات تزويد الهيدروجين، إذ إن عدد هذه المحطات ما يزال محدودًا في معظم دول العالم.

كما أن تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر لا تزال مرتفعة مقارنة بالوقود التقليدي، رغم الانخفاض التدريجي في تكاليف الطاقة المتجددة.

إضافة إلى ذلك، فإن نقل وتخزين الهيدروجين يتطلب تقنيات متقدمة بسبب طبيعة هذا الغاز وخفة وزنه.

مستقبل السيارات الهيدروجينية

تشير التوقعات إلى أن مركبات خلايا وقود الهيدروجين قد تصبح جزءًا مهمًا من منظومة النقل العالمي خلال العقود المقبلة.

ومن المتوقع أن تلعب هذه المركبات دورًا رئيسيًا في قطاعات النقل التي يصعب تحويلها بالكامل إلى الكهرباء، مثل الشاحنات الثقيلة والنقل البحري وبعض أنواع القطارات.

كما أن التطور المستمر في تقنيات إنتاج الهيدروجين الأخضر قد يساهم في خفض التكاليف وزيادة انتشار هذه المركبات في الأسواق العالمية.

خلاصة التقرير

يشهد قطاع السيارات العالمي تحولًا جذريًا مع تصاعد الاهتمام بالطاقة النظيفة والتقنيات منخفضة الانبعاثات.

وفي هذا السياق، تبرز مركبات خلايا وقود الهيدروجين كأحد الحلول الواعدة لتحقيق مستقبل أكثر استدامة لقطاع النقل.

ومع توقعات بتجاوز المبيعات العالمية ثلاثة ملايين مركبة بحلول عام 2040، يبدو أن هذه التقنية قد تلعب دورًا محوريًا في رسم ملامح صناعة السيارات خلال العقود المقبلة.

اقرأ أيضا