قطاع الطاقة السعودي يقود نمو إنتاج الغاز ويعزز أمن الطاقة في الشرق الأوسط


الاربعاء 28 يناير 2026 | 02:53 مساءً
حقول الغاز الطبيعي في السعودية
حقول الغاز الطبيعي في السعودية
بدرية الودعاني

يحتل قطاع الطاقة السعودي مكانة محورية في الاقتصاد الوطني، بوصفه أحد أعمدة التنمية والاستدامة، وأحد أبرز محركات النمو في المنطقة. ومع تسارع التحول العالمي نحو مصادر طاقة أكثر كفاءة وأقل انبعاثًا، تبرز السعودية لاعبًا رئيسًا في تطوير صناعة الغاز الطبيعي، ليس فقط لتلبية الطلب المحلي المتنامي، بل أيضًا لتعزيز أمن الطاقة الإقليمي، ودعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط الخام.

ويأتي التوسع في إنتاج الغاز الطبيعي في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط نموًا ملحوظًا في هذا القطاع، مدفوعًا باستثمارات ضخمة ومشروعات استراتيجية تقودها السعودية وقطر، في مقابل تحديات جيوسياسية أثّرت في إنتاج بعض الدول الأخرى. ويهدف هذا التقرير السيو إلى تقديم تحليل شامل لتطورات إنتاج الغاز في الشرق الأوسط، مع تركيز خاص على السعودية، ودورها القيادي في هذا التحول، وتأثير ذلك على الاقتصاد الوطني والمواطن السعودي.

نمو إنتاج الغاز في الشرق الأوسط خلال 2025 و2026

شهد إنتاج الغاز في الشرق الأوسط ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 2.5% خلال عام 2025، بما يعادل نحو 15 مليار متر مكعب، وهو معدل نمو يتماشى مع متوسط الأداء خلال السنوات الخمس الماضية. ويعكس هذا النمو قدرة المنطقة على الحفاظ على زخم الإنتاج رغم التقلبات الجيوسياسية والتحديات الفنية التي واجهت بعض الدول المنتجة.

وتشير توقعات تقارير قطاع الطاقة الدولية إلى أن نمو إنتاج الغاز في الشرق الأوسط سيستمر خلال عام 2026 بنسبة تقدر بنحو 3%، أي ما يعادل 20 مليار متر مكعب إضافية. وبناءً على هذه التقديرات، يُنتظر أن يصل إجمالي إنتاج الغاز في المنطقة إلى نحو 795 مليار متر مكعب في عام 2026، مقارنة بنحو 775 مليار متر مكعب في عام 2025.

ويُعزى هذا النمو بشكل رئيس إلى التوسع في مشروعات الغاز لدى السعودية وقطر، اللتين أسهمتا في تعويض التباطؤ النسبي في إنتاج إيران خلال عام 2025، نتيجة تداعيات التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

السعودية وقطر: محركا النمو الرئيسيان في إنتاج الغاز

برزت السعودية وقطر خلال عام 2025 بوصفهما القوتين الدافعتين لنمو إنتاج الغاز في الشرق الأوسط، مع توقعات باستمرار هذا الدور القيادي خلال عام 2026. ويعكس هذا الأداء المتقدم نجاح الخطط الاستثمارية طويلة الأجل في تطوير حقول الغاز، وتحسين البنية التحتية، وتعزيز كفاءة الإنتاج.

نمو إنتاج الغاز في السعودية

من المتوقع أن يشهد إنتاج الغاز في السعودية نموًا قويًا بنسبة تصل إلى 9% خلال عام 2026، وهو من أعلى معدلات النمو في المنطقة. ويأتي هذا الارتفاع مدفوعًا بعدة مشروعات استراتيجية، في مقدمتها التشغيل المرحلي لمشروع حقل الجافورة، أكبر حقل للغاز غير المصاحب في المملكة.

وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمرحلة الأولى من حقل الجافورة نحو ملياري متر مكعب سنويًا، مع خطط توسع مستقبلية تهدف إلى رفع الإنتاج تدريجيًا خلال السنوات المقبلة. كما يسهم مشروع رأس تناقيب بطاقة إنتاجية تصل إلى 27 مليار متر مكعب سنويًا في دعم هذا النمو، وتعزيز مرونة منظومة الإمدادات المحلية.

ويمثل التوسع في إنتاج الغاز غير المصاحب عنصرًا أساسيًا في إستراتيجية شركة أرامكو السعودية، التي تستهدف زيادة إنتاج الغاز بأكثر من 60% بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام 2021.

الغاز ودوره في مزيج الكهرباء السعودي

يشكل الغاز الطبيعي حجر الزاوية في خطة السعودية للتحول في مزيج الطاقة المستخدم في توليد الكهرباء. ووفقًا لخطط أرامكو، من المتوقع أن يذهب نحو 90% من نمو إنتاج الغاز خلال عامي 2025 و2026 لتشغيل محطات توليد كهرباء جديدة تعمل بالغاز، ضمن خطة التخلص التدريجي من النفط في مزيج الكهرباء بحلول عام 2030.

ويحقق هذا التوجه عدة مكاسب استراتيجية، من بينها خفض استهلاك النفط الخام، وتحسين كفاءة توليد الكهرباء، وتقليل الانبعاثات الكربونية، بما يدعم التزامات المملكة البيئية.

تأثير نمو إنتاج الغاز على الاقتصاد السعودي

يمتد أثر التوسع في إنتاج الغاز إلى قطاعات اقتصادية متعددة، ليشكل رافعة أساسية للنمو الاقتصادي المستدام.

دعم الصناعات التحويلية والبتروكيميائية

يسهم توفر الغاز بأسعار تنافسية في دعم الصناعات التحويلية، وعلى رأسها الصناعات البتروكيميائية، التي تعتمد على الغاز بوصفه مادة خام ومصدرًا للطاقة. ويعزز ذلك من قدرة المملكة على جذب الاستثمارات الصناعية، وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد.

خلق فرص عمل نوعية

تتطلب مشروعات الغاز العملاقة كوادر فنية وهندسية متخصصة، ما يفتح المجال أمام خلق آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، ويعزز برامج التوطين وتطوير الكفاءات الوطنية.

تعزيز أمن الطاقة

يعد تنويع مصادر الطاقة أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني، ويسهم التوسع في إنتاج الغاز في تقليل الاعتماد على مصدر واحد للطاقة، وتعزيز استقرار الإمدادات في مواجهة التقلبات العالمية.

قطر: توسعات استراتيجية في حقل الشمال

تُعد قطر من أبرز الدول المرشحة لقيادة نمو إنتاج الغاز في الشرق الأوسط خلال عام 2026، مع توقع ارتفاع إنتاجها بنسبة 2%، مدفوعًا بالتشغيل الأولي لمشروع توسعة حقل الشمال الشرقي، المقرر دخوله حيز التشغيل التجاري في الربع الثالث من عام 2026.

وكان إنتاج قطر من الغاز الطبيعي قد ارتفع بنسبة 4% خلال عام 2025، بعد انخفاض طفيف في عام 2024، وأسهم هذا النمو في زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 6%، ما عزز مكانتها في الأسواق العالمية.

وعلى صعيد الطلب المحلي، ارتفع استهلاك الغاز في قطر بنسبة 2% خلال عام 2025، بقيادة قطاعي الصناعة وتوليد الكهرباء.

إيران: نمو محدود وتحديات مستمرة

شهد إنتاج الغاز في إيران نموًا طفيفًا خلال عام 2025، متأثرًا بانقطاع استمر لأسابيع في إحدى محطات المعالجة خلال فترة التوترات العسكرية. وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى تعافي نمو الإنتاج إلى نحو 1% خلال عام 2026، بدعم من مشروعات تستهدف الحد من حرق الغاز أثناء عمليات الإنتاج.

ورغم ذلك، ظل استهلاك الغاز في إيران مستقرًا خلال عام 2025، نتيجة ضعف الطلب الصناعي، في حين يُتوقع أن ينمو الاستهلاك بنسبة 2% في عام 2026، مدفوعًا بزيادة الطلب في قطاع توليد الكهرباء، الذي يعتمد على الغاز بنسبة تقارب 80% من إجمالي إنتاج الكهرباء.

صادرات الغاز الإيراني وتغيرات السوق

من المقرر انتهاء عقد توريد الغاز الإيراني إلى تركيا، الذي تصل كمياته إلى 10 مليارات متر مكعب سنويًا، في منتصف عام 2026. وتشير المفاوضات الجارية إلى احتمال تجديد العقد بكميات أقل، ما قد يؤدي إلى انخفاض صادرات الغاز الإيراني بدءًا من النصف الثاني من عام 2026، وهو ما قد يفتح المجال أمام موردين آخرين في المنطقة.

إسرائيل: نمو الإنتاج مقابل تباطؤ الاستهلاك

تتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع إنتاج الغاز في إسرائيل بنسبة 10% خلال عام 2026، ليصل إلى نحو 30 مليار متر مكعب، مدفوعًا بتوسعات حقلي ليفياثان وتمار.

وفي المقابل، يُتوقع تباطؤ نمو استهلاك الغاز في إسرائيل إلى 1% خلال عام 2026، بعد ارتفاعه بنسبة 5% خلال عام 2025، مع استمرار خطط الحكومة للتخلص التدريجي من الفحم في توليد الكهرباء بحلول نهاية 2026، والتوسع في مشروعات الغاز والطاقة المتجددة.

الغاز والطاقة المتجددة: تكامل لا تنافس

تعتمد السعودية نهجًا تكامليًا في تطوير منظومة الطاقة، يجمع بين التوسع في الغاز الطبيعي والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويسهم هذا التكامل في تحقيق توازن بين تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، وتقليل البصمة الكربونية.

مستقبل قطاع الغاز في السعودية حتى 2030

تشير التوقعات إلى أن قطاع الغاز السعودي سيواصل النمو خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بمشروعات استكشاف وتطوير جديدة، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية، بما يشمل شبكات النقل والمعالجة.

ومن المتوقع أن يسهم هذا التوسع في تعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي للطاقة، ودعم مستهدفات التنويع الاقتصادي، وتحقيق الاستدامة المالية والبيئية.

يؤكد النمو المتسارع لإنتاج الغاز في السعودية الدور القيادي للمملكة في قطاع الطاقة الإقليمي، ويعكس نجاح إستراتيجيتها في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وأمن الطاقة والاستدامة البيئية. ومع استمرار الاستثمارات في مشروعات الغاز الكبرى، تمضي السعودية قدمًا نحو بناء منظومة طاقة متكاملة تدعم الاقتصاد الوطني، وتخدم المواطن السعودي، وتعزز مكانة المملكة في أسواق الطاقة العالمية.

اقرأ أيضا